الخطيب الشربيني
536
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الدنيا من خير وشرّ ، وقال الحسن رضي الله عنه : أراد بالمرء المؤمن أي : يجد لنفسه عملا ، وأما الكافر فلا يجد لنفسه عملا فيتمنى أن يكون ترابا ، ولأنه تعالى قال : وَيَقُولُ الْكافِرُ فعلم أنه أراد بالمرء المؤمن وقيل : هو الكافر لقوله تعالى : إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ فيكون الكافر ظاهرا وضع موضع الضمير لزيادة الذمّ . ومعنى ما قَدَّمَتْ يَداهُ من الشرّ كقوله تعالى : وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ( 9 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ [ الحج : 9 - 10 ] وما يجوز أن تكون استفهامية منصوبة بقدّمت أي : ينظر أي شيء قدّمت يداه أو موصولة منصوبة بينظر يقال : نظرته بمعنى نظرت إليه والراجع إلى الصلة محذوف . وقال مقاتل رضي الله عنه : نزل قوله تعالى : يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، و وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً في أخيه الأسود بن عبد الأسد وقال الثعلبي : سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول : الكافر هنا إبليس ، وذلك أنه عاب آدم عليه السلام بأنه خلق من تراب وافتخر بأنه خلق من نار ، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه من الثواب والراحة ورأى ما هو فيه من الشدّة والعذاب تمنى أنه كان بمكان آدم فيقول يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً . قال : ورأيته في بعض التفاسير . قال البغويّ : قال أبو هريرة رضي الله عنه فيقول التراب : لا ولا كرامة لكل من جعلك مثلي . وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان ثم يقال للبهائم والطير : كونوا ترابا ، فعند ذلك يقول الكافر يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً أي : فلا أعذب وقيل : معنى يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً أي : لم أبعث . وقال أبو الزناد : إذا قضي بين الناس وأمر بأهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجنّ : عودوا ترابا فيعودون ترابا فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم : يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ، وقال ليث بن أبي سليم مؤمنو الجنّ يعودون ترابا . وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وغيرهما : مؤمنو الجنّ حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها ، والذي عليه الأكثر أنهم مكلفون مثابون ومعاقبون كبني آدم ، وقيل : يحشر الله تعالى الحيوان غير المكلّف حتى يقتص للجماء من القرناء ثم يردّه ترابا فيودّ الكافر حاله . وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من قرأ سورة عمّ سقاه الله تعالى برد الشراب يوم القيامة » « 1 » حديث موضوع .
--> ( 1 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 4 / 692 .